أبي الفرج الأصفهاني

14

الأغاني

ما ذا أؤمّل بعد آل محرّق تركوا منازلهم وبعد إياد [ 1 ] / / أهل الخورنق والسّدير وبارق والقصر ذي الشّرفات من سنداد [ 2 ] نزلوا بأنقرة يفيض عليهم ماء الفرات يفيض من أطواد [ 3 ] جرت الرّياح على محلّ ديارهم فكأنّما كانوا على ميعاد ثم أقبل على الدارميّ فقال له : أتروي هذا الشعر ؟ قال : لا . قال : أفتعرف من يقوله ؟ قال : لا . قال : رجل من قومك له هذه النباهة وقد قال مثل هذه الحكمة لا ترويها ولا تعرفه ! يا مزاحم ، أثبت شهادته عندك ، فإني متوقّف عن قبوله حتى أسأل عنه ، فإني أظنّه ضعيفا . أخبرني عميّ قال حدّثنا الكرانيّ عن الرياشيّ عن أبي عبيدة بمثله . وعد الرّشيد بعشرة آلاف لمن يروي قصيدة « نام الخليّ . . . » أخبرني عمّي قال حدّثنا عبد اللَّه بن أبي سعد قال حدّثني الحكم بن موسى السّلوليّ قال حدّثني أبي قال : بينا نحن بالرافقة [ 4 ] على باب الرّشيد وقوف ، وما أفقد أحدا من وجوه العرب من أهل الشام والجزيرة والعراق ، إذ خرج وصيف كأنه درّة فقال : يا معشر الصحابة ، / إنّ أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام ويقول لكم : من كان منكم يروي قصيدة الأسود بن يعفر : نام الخليّ وما أحسّ رقادي والهمّ مختصر [ 5 ] لديّ وسادي فليدخل فلينشدها أمير المؤمنين وله عشرة آلاف درهم . فنظر بعضنا إلى بعض ، ولم يكن فينا أحد يرويها . قال : فكأنما سقطت واللَّه البدرة عن قربوسي [ 6 ] . قال الحكم : فأمرني أبي فرويت شعر الأسود بن يعفر من أجل هذا الحديث .

--> [ 1 ] آل محرّق هنا : هم ملوك الحيرة من لخم . ومحرّق الَّذي أضيفوا إليه هو امرؤ القيس بن عمرو بن عدي أحد ملوكهم ، ويقال له : المحرق الأكبر . ولقب به أيضا من اللخميين عمرو بن هند من ملوكهم ، ويقال له : المحرّق الثاني . ومحرق أيضا : لقب الحارث بن عمرو أبي شمر ملك الشام من آل جفنة ؛ لأنه أوّل من حرّق العرب في ديارهم . ويقال لآل جفنة أيضا : آل محرق . ( ملخص عن « اللسان » و « القاموس » و « شرحه » مادة حرق ، و « المعارف » لابن قتيبة ص 317 ) . وإياد : حي من معد بن عدنان ، وهم بنو إياد بن نزار ، منهم قس بن ساعدة الَّذي يضرب به المثل في الجود والفصاحة . وكانت ديارهم مع العدنانية ، وحين تكاثر بنو إسماعيل وتفردت مضر بالرياسة خرج بنو إياد إلى العراق ، وكان لهم مع الأكاسرة أيام مشهودة إلى أن أغار عليهم سابور ذو الأكتاف من ملوك الأكاسرة فأبادهم وأفناهم . راجع كتاب ( « نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب » للقلقشندي ص 82 طبع مطبعة الرياض ببغداد ) . [ 2 ] الخورنق كسفرجل : قصر من قصور الحيرة ، والخورنق هو بالفارسية خورنكاه وهو بيت الضيافة ، بناه شخص رومي اسمه سنمار للنعمان بن امرئ القيس اللخمي ، وكمله في عشرين سنة ، فلما وقف عليه النعمان استجاده وأثنى على سنمار فقال له سنمار : لو شئت أن أجعله يدور مع الشمس لفعلت ، فأمر به أن يطرح من أعلى شرفاته ، فضرب به المثل فقيل : « جزاه جزاء سنمار » . ( عن « مسالك الأبصار » ج 1 ص 230 طبع دار الكتب ) . والسدير : قصر كان ما بين نهر الحيرة إلى النجف إلى كسكر من هذا الجانب . وبارق : ماء بالعراق ، أو هو نهر كما في معجم البلدان بين القادسية والبصرة ، وهو من أعمال الكوفة . وسنداد : منزل لإياد ، وهو أسفل سواد الكوفة . وقال ابن الكلبي في القصر ذي الشرفات : إن العرب كانت تحج إليه . [ 3 ] أنقرة : مدينة بالأناضول على طريق القسطنطينية وهي عاصمة الدولة التركية اليوم ، لها ذكر في رحلة امرئ القيس إلى الروم ، وافتتحها المعتصم في طريقه إلى عمورية سنة 223 ، وكانت إياد قد نزلتها لما نفاها كسرى عن بلاده . [ 4 ] الرافقة : بلد متصل البناء بالزقة على ضفة الفرات ، ثم خربت الرقة وغلب اسمها على الرافقة ، وصار اسم المدينة الرقة ، وهي من أعمال الجزيرة ، وهي مدينة كبيرة كثيرة الخيرات ( عن « معجم البلدان » ) . [ 5 ] المحتضر : الحاضر . [ 6 ] القربوس : حنو السرج وهو الجزء المعوج في السرج .